مقدمة شرطية:
قبل أن تقرأ ما كتبت وتستهلك طاقتك، وبدون الإسهاب والتفصيل والإقناع فأنا لا اطلب منك الانصاف لفكرة المقالة -باستثناء من تجاوز عمره ٤٠ سنة وهولاء هم الاشداء، وما دون ذلك العمر سأكون معه صريحا وواضحا لدرجة السطوع المزعج سأمارس عليه التحيز القاسي دون اعتذار مسبق.
حقيقة

حقيقة: منذ أكثر من سنة وانا أعيد ترتيب هذه الفكرة وأحاول أن أوضحها كما ينبغي قدر المستطاع.
هكذا سمعتها “الإنسان مدني بطبعه” سمعتها قبل ستة عشر عاماً وكانت منسوبة لأبن خلدون (١٣٣٢-١٤٠٦م)، وقتها كان عمري عددً مركباً ولم يكن معطوفاً، وقفت حينها وتأملت هذه العبارة واستغرقت فيها واستهلكتها من بعد ذلك حد الإفراط، استهل بها النقاشات والحوارات واتلذذ بها وأشعر أنني مفكر لا يشق لها غبار ولم ينصفه التاريخ بعد وهذا من بطر الخيال وتجاوز الواقع. ومع هذا كله استهل بها هذه المقالة.
تمهيد:
الإنسان يولد نقي، وهذا مصداقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم يولد الانسان على الفطرة.
يعتقد علماء الاجتماع ومنهم هربرت سبنسر (١٨٢٠-١٩٠٣م) أن المجتمعات تبدأ بالتجانس والتماثل في بدايتها ثم تتطور حتى تصبح معقدة ويبدأ التمايز والاختلاف فيها، وهذا تقريبا يتشابه مع بداية العلاقات الاجتماعية ، فلو استرجعت ذاكرتك وفي بكور الطفولة تجد أن من هم على شاكلتك في تلك المرحلة العمرية والدراسية متشابهون معك. وما ان تموج بك الحياة تتلون وتتشكل وتصبح لك صبغة تتمازج بها مع من يشبهونك، وتتباعد مع الذين لا يشبهونك ولا يقصد بالتباعد البغض والكره وانما هي علاقة غير عميقة لها حدودها وسقفها الاحترام ،، فالأمزجة والطبائع تتشكل بالظروف التي يتعرض لها الإنسان.
لا ثالث لهما:
تنقسم العلاقات إلى نوعين:علاقة قدر وعلاقة اختيار. فعلاقة القدر جاءتنا مع الولادة من القدر (جينات) لا نستطيع الانتقاء فيها مثل علاقتك بالأقارب، وعلاقة الاختيار جاءتنا من التجربة مثل علاقة الاصدقاء.
أي تستطيع استبدال اصدقاءك ولا تستطيع استبدال اقاربك.
فلكل علاقة لها تفاعلها الخاص سواء تفاعل ايجابي او سلبي بغض النظر عن عمق العلاقة واهميتها. ولكل تفاعل تاريخ بداية ونهاية وكذلك الأثر يمحو أو يتجدد.
ولو استغرقت النظر في قائمة اصدقاءك خلال عشر سنوات مضت، وقسمتها إلى فترتين ورتبت كل فترة بترتيب متصاعد من الأقرب لك ،،
ستجد أن هذه القائمة متغيرة ومضاف إليها عنصر جديد، حتى وإن ثبتت الاسماء تتغير المواقع،،وليس بالضرورة أن يشير هذا الأمر إلى حدوث اخفاق في تيسير العلاقة وإنما الأمر يرجع إلى مدى انفتاحك على العلاقات ونضجك وطريقة بناءك لها، فلا نمو بدون علاقات جديدة.
الوقوف الصادق في العلاقات:
أعتقد أني أسهبت في التفصيل أعلاه ولكن هذا الإسهاب ضرورة للوصول للفكرة التي أستغرقت أكثر من سنة.
كيف يقف الإنسان الوقوف الصادق أمامك. في الحقيقة يظهر معدن الإنسان ليس في حالة حزنك ولكن في حالة فرحك ستعرف حينها أن الوقوف أثناء الفرح أصعب من الوقوف أثناء الحزن، والسبب في ذلك أن الحزن هو شعور تعاطف مبني على الخسارة، خسارة الطرف الآخر لكن الفرح شعور سعادة مبني على الإيثار، ايثار وإذعان بأن تمنحه الافضلية ، فالبشر أصناف في ذلك فمنهم من لا يفرح لفرحك ويتمنى زوال نعمتك ومنهم من يفرح لك بشرط أن لا تتفوق عليه ومنهم من يفرح لك حتى وان تفوقت عليه وهولاء هم الانقياء الأصفياء.
قال الله تعالى: { يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ }.
لم يفرح إبليس بخلق آدم واستكبر وقال انا خير منه ،، فلم يستطع الوقوف والفرح في يوم خير وفرح.
قفلة: يختبر كل إنسان يعرفك عندما تتزاحم عليك النعم وتبتعد عنه، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.
—————————————
ختمت هذه المقالة وانا ارتشف قهوتي السوداء الكلاسيكية.
مساء يوم الخميس ٢٩ جمادى الأولى ١٤٤٧هـ، الموافق ٢٠ نوفمبر ٢٠٢٥م. والسلام عليكم،، عبدالمجيد بن سعيد.
أضف تعليق